نعمة السوداني في قراءة فنية للطوفان في نوحه الأخير لماجد مطرود
للفرح مناسكه.. للحزن طقوسه ، النص البصري
للحزن والسوداوية طقوس خاصة في هذه المجموعة الشعرية التي تحمل في طياتها تحولات درامية وجمالية متفردة في الصورة الشعرية انها نصوص شعرية حاورت الحياة واسقطت الواقع في تناصات تاريخية محملة بالرموز ومشحونة بالاشارات المغرقة بشعريتها وومضاتها التي تعتمد على عملية فتح النوافذ عبر نقاط ضوئية من الجمال في عملية التواصل المؤثرة على القاريء ..
بسلة الورد ..
يطارد الذباب معتقدا ..
انه يغازل فراشاته الحالمة ..
ولان الشعر ولادة وصناعة ومعرفة فهو يستثمر الواقع الى اقصاه عبر تناصات حياتية تمس الذاكرة لان النص في الاصل لغة وصورة في الوعي واللاوعي تثير الصورة عبر تلميح شعري بنقطة مضيئة قادرة على تحفيز الذاكرة بتاريخها الشخصي
توضأتْ بطفولةٍ تصلي منفايّ
وفي خرقة المدع , تبكي السندباد
ومن ألف قلب تنوح
بغداد ..
هل تتذكر الريح احلامها ؟
الشعر بكل الاحوال هو عملية صياغة فنية كما هو فن التصوير وعدسة ماجد مطرورد ليست الكاميرا انما اللغة بقلقها وانفعالاتها وجدانياتها تشكل صورا حسية نابعة من الروح نحو مسارات الوحدة الفنية لتكوين الصورة الداخلية للشاعر والذي من خلالها يثير مجموعة من المشاكسات للذات المستلبة والمتعبة التي انهكتها الحياة في تناوب الخسارات التي تسير بمراث ثقيل عبر نصوص متالقة انيقة ينعى بها الحلم المقتول في شجن صادق يلامس اللوعة ويذهب بنا بعيدا نحو الهم الكوني الذي يعبّر عن نبض الحياة والناس والارض والوجود لذلك نراه في الكثير من نصوص هذه المجموعة يعبر بنا حدود المدارات ويختزل المسافات بصور شعرية غاية في الصدق بين كلمة وصورة وحركة مؤثرا ومتاثرا , انه شاعر ينتمي للحلم ويرواد الاخرين في منطقة الحماسة المنطفئة والرجاء الخائب والامل المفقود الذي امتدّ الى اعماق العراق باعتباره منتسبا لهذه الارض بدءا من سومر وبابل مرورا بعشتار وكل الملاحم والاساطير كل هذا يشكل مملكة خاصة للشاعر ماجد مطرود فيها اسرار اللغة بسردها والشعر بموسيقاه وفيها اسرار لعبته الكتابية والاتقان البارع الذي يترجم احاسيسه ويدخلنا معه في عمق نصه وخيالاته المحلقة في اوسع الفضاءات ..
بلا خيارٍ تسلّقت جوادا يشبه العنقاء
ثمّ غيّبتُ روحي بشرفٍ
وقلتُ أنا الغائبُ الذي ابتكر الأنتظار
فأمّا الغيبتان
وأمّا الترتيل بنغمة الواقف على قبر أبيه
في الحالتين سأرى مدينة خارقة التذمر
وبلا ضجّة كهدوء الشجعان
ساميك المقامات بوجهين وأصلي
أصلي على مدى فراتين ونيّف
أصلي باتجاه قبلتين مشتعلتين
في فم إلهٍ كبير مدَّ بوزه
بأتجاه اللازم من الكلام
ان صناعة الشفرة والرموز في النص الشعري ليست عملية سهلة انما هي شاقة وحساسة جدا
قد تحبس الجملة في الانغلاق المبهم والتهويمات أوقد تكون حمالة لمعان متوالدة تضيف للنص
روعة في التركيب وخلقا للجمال
ماجد مطرود بارع في هذا التشكيل كما يبدو لي ان هذا التشكيل هو الاقرب لحياته الشخصية
لذلك نراه منسجما جدا مع نصه وكأنهما واحدة واحدة يشتركان في صناعة الشعر
من اجل خلق نصٍ بصريٍّ وسمعيّ في آنٍ واحد
فبصمته في الشعر واضحة كما هي جراحاته وعذاباته التي تتجلى ما بين سطوره التي تتنقل بنا
بين امكنة متعددة وبعيدة وكأنه راكبا بوصلة لا تخطيء من بغداد اقصى الشرق
ثم الى افريقيا اقصى الغرب حتى حدود اوربا حاملا موروثه التاريخي موظفا الاسطورة والملحمة
على مدار خطوط الطول والعرض راسما لنا الدمار القبيح باعلى درجاته سواءا كان في الصحراء
اوفي الواحات في الكثبان المتحركة او خلف الاسوار
بعضّة لا توميء للحاضر
صرخت بوجهي
عِظني كي اقفز فوق البداية
وبحافريك الخرافيين
لا تضربْ عكّازي
عِظني ..
فنابك ظلّ يقطر ماءَ النار
حتى عضَّني في العظم والضاد
نزيفٌ / دمٌ / إلهٌ قديم
على مرّ العصور يصلي
قبلته بغدداد
وقامته إله النار
يصعّر خديه بالحرب
والاوتاد
تنبثق روائح خاصة من هذه النصوص, روائح ليس لك الا ان تتعاطف معها وتتأثر بها
لان مساراتها متعددة وعميقة كأنها تمتد الى الاف السنين في ذاكرة طرية وامينة في نقل الوقائع والاحداث
أستطيع ان اجزم هنا ان التجربة الشعرية لماجد مطرود تتأرجح بين ثنائيات متعددة
بين الافتراق والعناق أو بين اقتراب وابتعاد تجربة تعبر عن ثراء لغوي وخزين هائل
من المترادفات والمتناقضات كما تعبرعن الجمال بمعايير حسية خالصة وتعبر ايضا عن نقاء المفردة ومعناها المصنوع برشيته الخاصة منطلقا من خصائص وادراكات ومشاعرذاتية
تتصارع لخلق شخصية شعرية كونية لها لغتها وتداعيات معانيها وافكارها ومفاهيمها تلك المفاهيم
التي تحمل الجمال قيمة عليا لها
أن الادراك الذي يتمتع به الشاعر يجعله يهتم بالوعي ويشاكسه كما ان ثقافته الواسعة
تمنحه الخيال الجميل ليطير معه على اجنحة تحلق في فضاءات وعوالم تغيب عنها العين العادية
كما انه يمتلك ملكة البصر الداخلية والصوت الداخلي الذي يحمل في طياته خصائص يمتاز بها هو كالبحث عن مضمون غير مطروق او البحث عن تشكيلات جديدة او عن ومضات يسعى لارسالها
عبر الاثير لقاريء جيد متمكن ,, وهذه حرفية عالية تحسب له ..
حينما لمست جراحي باعوامها تركب الطوفان
رايتها تبيض من كل زوجين رصاصة
فوق كل رصاصة مدرسة
بدخانها تقلب اللغات والاطفال
باجراسها الحمراء تغسل الطبشور
ومعلم الكلام ..
أخيرا أقول ان عملية تكثيف فكرة بعث الاحساس من جديد , بعبارة اخرى ان عملية تجديد الاحساس
من خلال استفزازه المستمر واستنفاره المستمر مهم جدا للصورة الشعرية ومعبرا عنها
من اجل الامساك بالمتلقي الى النهاية وبشكل واقعي ومريح من خلال مشاركته بفلسفة الحياة الخاصة
به بما فيها من طقوس فرح وحزن, موت ولادة,حب وكراهية , لقاء وفراق .. الى اخره من ثنائيات وتضادات الحياة وفلسفتها
تماما كما ما جاء هنا في هذه المجموعة الشعرية حيث تتلمس الماء والصحراء والنبتة والرمال
والذبابة والعقرب والحياة والموت كل هذه المتضادات والثنائيات جاءت بمزاجية الشاعر وبروحه
التي تتلامس وتتعايش مع هذه المفردات بكل زوايا الحياة المظلمة والمضيئة ..
بالاضافة الى هذا هناك تجد تقنية في المعمار وهندسة دقيقة في النص يتمتع بها كاتب هذه المجموعة ومؤشرها اتحاد العناصر الفنية كلها بقيمة جمالية تستحق الثناء خصوصا على مستوى
التشبيهات والمجازات والاستعارات والشفرات والرموز التي نجح فيها الى حد كبيرالشاعر ماجد مطرود واستطاع ان يخلق لغة (تفقس) المعاني بعبارة اخرى ان اللغة التي تعامل بها لغة جديدة
يمكن ان نسميها (لغة التفقيس) الخالقة لعوالم متعددة من المداليل التي ترفعنا عاليا في لحظة
وفي لحظة اخرى تهبط بنا الى عالم سفلي وفي الحالتين هناك وظيفة استثنائية لخلق قيمة جمالية
تفرض نفسها دائما
في الساعة الخامسة والعشرين
في قرار,
لم تبلغه الدقائق
إنما الدموع
نزعتُ الروح عن جلدها
وأستعرتُ معطف الايام
بينما الاسلاك التي حوطت فجأة وجه المدينة ..
طالت وقفتها حتى نفد الزيت من يدي
وأنطفأ المصباح .
نعمة السوداني
هولندا