عبد العزيز غرمول ، رأي آخر

  كلمات   فايسبوكياتكرونا فيروس   (193) مرة  

موجة غضب عارمة اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في الجمعة الأخير (13 مارس) بعد خروج بضعة آلاف من الشباب إلى شوارع الحراك مستغيثين “كورونا ولا نتوما”، رغم الخوف الثائر من تداعيات وباء كورونا المستجد. والحال، بعد أسبوع من تأمل تلك “الخرجة”…

get_the_title

موجة غضب عارمة اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي في الجمعة الأخير (13 مارس) بعد خروج بضعة آلاف من الشباب إلى شوارع الحراك مستغيثين “كورونا ولا نتوما”، رغم الخوف الثائر من تداعيات وباء كورونا المستجد.
والحال، بعد أسبوع من تأمل تلك “الخرجة” التي وصفت أنها مجنونة، وغير مسؤولة، وتنمُّ عن وعي بائس لدى فئة مستضعفة من شبابنا، يمكننا أن نرى تلك “الحالة” من وجهة نظر أكثر تفهما وإنسانية.
أعلم أنني سأصدم ربما بعض المشاعر والمواقف المستبدة برأيها، غير أن الواقع يفرض هنا سلطته، فآلاف الشباب الذين يعيشون بين الذل المقيت والغضب العارم، بين إحساس باللا وجود وإحساس باللا جدوى، بين أمل لا يرون بارقته، ويأس يثقل معالم حياتهم، هؤلاء الشباب تساوى لديهم الخطر والسلامة.
أليس أصدقاء وإخوة هؤلاء الشباب هم الذين كانوا يقولون بالأمس “يأكلنا حوت البحر ولا يأكلنا حوت البر”؟ نفس المغامرة سواء بخوض بحر لا أمان فيه أو مواجهة وباء لا مناص منه. لقد انزلقوا إلى أحضان اليأس ولم يعد الخطر يخيفهم، لأن حياتهم العنيفة، الفقيرة، العاطلة عن الأمل، لا تقلُّ خطورة عن أي خطر يواجهونه.
دون شك، المغامرة في البحر قرار فردي يتحمل مسؤوليته “الحراڤ” وحده، بينما التجمع في زمن الوباء يمس بسلامة المجتمع. سيقول المنطق أنهم بذلك شكلوا خطرًا على الآخرين، خاصة آباؤهم وأمهاتهم (لأن فيروس كوفيد 19 أكثر تأثيرًا على كبار السن)! لكن هؤلاء الآباء والأمهات يا ما تمزقت أكبادهم في الماضي وهم يقفون على شاطئ البحر يبكون أبناءهم الغرقى أو الناجين الذين قد لا يرونهم أبدا. المنطق ليس بليد الإحساس كي يكتفي برؤية جهة واحدة من الألم.
ما شكّله الحراك بالنسبة لأولئك “المغامرين” هو فرصة الاحتجاج على معيشتهم الضنكى، وهم يتشبثون بتلابيبه كما لو يتشبثون بآخر أمل لتغيير حياتهم إلى الأفضل، وقد رأوا أن توقفهم ربما سيشتت حلمهم الأخير في النجاة بحياتهم. ومن هنا تساوى لديهم الخطر و.. الخطر.
أعتقد أن سياسة حكيمة راشدة تستطيع ان تستثمر في هذه “الحالة الإنسانية” بعد انحسار الوباء، بتجنيد وتعبئة كل إمكاناتها المادية والبشرية لصناعة الأمل، أمل حقيقي لهؤلاء اليائسين، المحبطين، معدومي الوجود، تقول لهم (وتعمل أيضا) على أن البلد في حاجة إليهم، وأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

avatar
        كلمات
مجلة الكترونية ثقافية فنية أدبية متنوعة ، تهتم بثقافة المهاجرين ، تصدر في باريس

Comments