المدن أرواح بعضها من محبة و بعضها الآخر نجعله مسكننا عند عتبة الغياب

  كلمات   رحالة   (2273) مرة  

المدن أرواح بعضها من محبة و بعضها الآخر نجعله مسكننا عند عتبة الغياب بقلم وردة بوقاسي

get_the_title

لشبونة

بين طيات الدليل السياحي كنت أبحث عن مدينة تجعلني أتنفس من جديد ، بعيداً عن مساحيق المدن العالمية و أنوار المدائن الاصطناعية ، كنت أبحث عن أسماء، عن أرواح عن عبق، عن عطر ، يعيدني إلى زمن العروبة الغائب و الحاضر في مكان ما. كنت أبحث عن وهج يبعثني من جديد لتلوين ملامح واقعنا، عن بصيص أمل يعيد ترميم إنكساراتنا، عن تمثال وسط الركام، كنت أبحث عن نفسي بعيداً عن نفسي المتعبة، من أخبار جرائد الصباح، التي تجزم أن لا غداً لنا وأننا اتفقنا ذات يوم ألا نتفق أبداً. كم نحتاج الي بعض الهروب لكي نرى من جديد، حملت حقائب أمتعتي بكثير من الفوضى ولكن بتميّز الوجهة، فكان السفر وكانت لشبونة

وجهتك السعادة

وجهتي الأولى بعد نزولي من الطائرة، البحث عن محطة الميترو في مدينة تجعلك تطرح العديد من التساؤلات والبداية كانت يافطة المعلقة على المرآة ،كتبت عليها “وجهتك السعادة” جعلتني أفكر ليس في هل سوف تكون الوجهة فعلاً سعيدة ، بل في تناول مفهوم السعادة عبر الأنفاق. لم يتعود معظم الناس على طرح بعض الأسئلة، خصوصاً الجوهرية منها مثل هل نحن فعلاً سعداء؟ كيف نصل إلى تحقيق السعادة الحقيقية؟ وغيرها من الأسئلة رغم بساطتها لكنها تحتاج إلى تفكير وعمق كبيرين، لذلك إزدخرت المكاتب بمختلف التوجهات النظرية خصوصاً في علم النفس، لكنها عجزت على تفسير المعنى الحقيقي للسعادة. هل نحن فعلاً سعداء؟وكيف نقيس السعادة؟ وكيف نحكم على هذا الشعب بأنه سعيد؟ هل من خلال نظام وتطور البلد، والحفاظ على كل ماهو عتيق ، هل من خلال ضحكات المارين وأفراح تغنت بها لشبونة؟.. سأكون سعيداً عندما أتمم دراستي، لا بل عندما أجد وظيفة،كلا عندما يكبر الأطفال أو عندما أغير البلد الذي أعيش فيه. قد نكون في بلد متطور تكنوجياً ورغم أنوارها الساطعة، يبقى نور سعادتنا الداخلي منطفئ، وقد نكون في بلد متخلف وبكل تناقضته سعداء، فإن مفهوم السعادة الحقيقية، بكل تعقيداته يبقى بسيطاً جداً، يكمن في داخلنا وفي رؤيتنا للأشياء وبالعيون التي نرى بها، في ارتشاف قهوة الصباح مع من نحب، في دردشة مع صديق يفهمك، في نثرات التفاؤل التي نزين بها أيامنا، في حلم جميل نسعى لتحقيقه، في عطائنا للآخر بدون انتظار مقابل، قد نكون فعلاً سعداء بغض النظر عن البلد الذي نعيش فيه. هي سلام داخلي، قرار ، هي أن نعيش اللحظة، في محطات الحياة، وصوت محطتي يخبرني أنني وصلت إلي لشبونة فنزلت بكثير من الشوق ، و الفضول و الترقب

لشبونة أما زلتِ تذكرين من مرّوا من هنا ذات يوم؟

أما زال الحنين مباغث؟ طيلة تجولي في لشبونة، راودني سؤال أينما ذهبت خاطبت فيه أزقة تتحدث بكل اللغات، وشوارع تتزين بكل الحضارات المتعاقبة، لمدينة يزيد عمرها عن ثلات ألف سنة الواقعة، على سبع تلال : لشبونة..أما زلتي تذكرين من مرّوا من هنا ذات يوم؟ أما زال الحنين مباغثأَ؟ إلى من مرّوا من هنا طيلة خمسة قرون كاملة، أما زال الحنين لباب المضيق وباب الفاما وباب البحر، وباب الحامة وباب المقبرة، وباب الشمس، أين جمعت جل العاشقين بحثاً عن الماء والياسمين والحياة؟ أتذكرين كل من طارق بن زياد، عبد الرحمن الأوسط، موسي بن قسي وآخرون من تركوا بصماتهم، أشجانهم وانتصاراتهم في مدن الإنسانية المتعاقبة، من تركوا عبقهم يفوح في الأرجاء من فسيفساء، من عروبة، من محبة وسلام. ليشهد البحر حكايا الإنسان المقفلة بآكاليل الصمت، التي تحتاج إلى من يبعثها من جديد في وهجها الأزرق
أما زالتِ الحمة كما أطلق عليها العرب، والتي تسمى اليوم “ألفاما” تتزين بأرواح من مرّوا بها، و تغتسل بحبيبات الكرم وتتعطر بلغة الضاد ، هي ثلاتة آلاف كلمة عربية أدخلت إلى اللغة البرتغالية. وسط الجامع الكبير والقصبة العريقة، آثارهم واضحة وضاربة في كل الأزقة حتى في بسمة شعبك الطيب الذي ما زالت زوايا الشوارع والمقاهي والحانات والشرفات المزينة بأكاليل الورود جميعها تشكل نقطة إلتقاء بينهم لتبادل أطراف الحديث، واقتسام رغيف الصباح، بعيداً عن زحام التكنولوجيا، وببريق من سحر الشرق.

هنالك

هنالك ..هنالك في كل زقاق يبتسم الفجر صباحاً لتحكي لنا أحبال الغسيل على شرفات البيوت قصص العشق الأبدية، وأنا أخطو خطوات لشبونة تذكرت رواية قرأتها منذ سنين وهي بعنوان “ليلة لشبونة” للكاتب أريش ماريا ريماك، تضم عبارات فلسفية عميقة، أين فرّ فيها البطل من الحرب النازية حاملاً ذاكرته المتعبة وسط الدمار ، والوحدة حين كان الحب الشيء الوحيد الذي جعله يتمسك بالحياة، ليكتشف نفسه من جديد، لم يكن لديه خيارات عديدة إما أن يستسلم للموت، ليموت مرة واحدة أو يعيش النبض ليحيا آلاف المرات. كم من الحكايا تشهدين عليها لشبونة؟ أأحبالك تحتفظ بقصص العشق العربية؟ أنهايتها حزينة مثل معظم قصصنا؟ أم مازلتِ تبحثين عن أحفاد يتحملون رحلة البحث بين أرصفة الشوارع، وقطع الزليج العتيق وأنين جدران البيوت القديمة، وبوح المعمرين وغبار الكتب، وصمت وغموض اللوحات الهاربة، من عتبة التاريخ لكتابة حتماً أجمل قصص العشق العربية

على أنغام الفادو

صوت حزين ينادي من بعيد جعلني ألتفت مراراً، صوت لايقاوم يذكرني بشيء قديم ما، كتوق عميق بداخلي للبحث عنه في ذاكرتي ، صوت جعلني أتبعه وهو مزيج من الطابع الإفريقي، و الأندلسي العربي و البرتغالي، إنه “الفادوا” وتعني هذه الكلمة القدر بل أرواح المارين العابرين ، من هنا ترجموا أقدارهم، ألمهم، معاناتهم وآمالهم في نغمات موسيقية أبرزها تتحدث عن أمواج البحر والفقر، الفقدان وثوارات الشعوب
كلمات “الفادو” لا تحتاج إلى قواميس لغوية، يكفي الشعور والإحساس بها لفهمها آنها لغة النفس ممزوجة ببوح المكان. في كل خطوة تتنفس تاريخاً وحضارة، وتشم رائحة الإنسان مما جعلها موسيقى ممزوجة بقطرات التعب والليمون للطبقة العاملة والمهاجرين والباحثين عن الوطن و الذات. إنه وتر القلب من أعماق أقدم أحياء لشبونة، هو هروب ومحاولة نسيان الواقع المعاش اليومي، هل كانوا فعلاً فقراء؟ الباحثين عن الجمال، في أشجان الروح؛ كانوا فعلاً فقراء حسب المصادر التارخية ولكن كم اغتنت بهم الثقافة. لشبونة جعلتني أمشي بدون توقف، وبدون الإحساس بالتعب، كيف ذلك وأنا أسير بين خطوط الماضي والحاضر معاً إلى أن وصلت إلى “سينترا” مدينة القصور الأسطورية والقلاع، الواقعة في قلب الطبيعة الجبلية والتي سماها الرومانيون “جبال القمر ” مدللة النبلاء و العائلة المالكة، أتذكرين من حاولوا تسلقكِ بحثاً عن الجمال والحرية، بسحرك كتبَ الشعراء و الكتّاب و الصامتين، الثائرين والمنهزمين، ومن انتصروا بكل ذواتهم لتنعكس رائحة التاريخ العربي المغاربي القديم في سينترا. وسط لشبونة لا تحتاج إلى مرشد سياحي، فكل الأماكن مفتوحة أمامك، فأنت وسط متحف متجول، تجعل منك ملكاً بين قصورها المتعددة، وتائهاً وسط أزقتها التي كتبت بأنامل حكايا الإنسان

بقلم وردة بوقاسي

avatar

بخصوص : كلمات
مجلة الكترونية ثقافية فنية أدبية متنوعة ، تهتم بثقافة المهاجرين ، تصدر في باريس

Comments