كوزيت تعود الى مونفرماي : محمد دحو

  كلمات   قصص ونصوص   (2406) مرة  

كوزيت تعود الى مونفرماي : محمد دحو

get_the_title

الى العزيزين المبدعين عمار مرياش ومحمد الزاوي.

أغلب الظن أن السماء ستصحو أكثر بعد أن شرعت تلك السحب البيضاء تزحف مثل قطيع غنم بري الى وجهة أخرى بعيدا عن نافذتي وأن الربيع سيطل علي من شرفة الفندق كما ولدته أمه.

ثمة كسل مفعم بتعب السفر وقلة النوم يدعوني لأن أواصل نومي حتى ساعات متأخرة من يومي الاول في فندق ميديان الذي عثرت عليه بشق الانفس مع أنه لم يكن بعيدا عن محطة الميترو التي كنت وصلت إليها قبل قليل.

محمد دحو ، فندق ميديان ، باريس ، المقاطعة 17

محمد دحو ، فندق ميديان ، باريس ، المقاطعة 17

كنت أحاول الا انقاد بسهولة الى الدعة والكسل والبقاء على تلك الحال من الاسترخاء المخدر لبدني، وأن أنظر الى تلك السحب التي كانت تمشي على رؤوس بعض البنايات العالية على مرمى البصر، وأن أسمع زعيق سيارات الإسعاف المدوي في الشارع الرئيسي الموازي للفندق حيث كانت تأتيني من شباك نافذتي المفتوحة جلبة الأصوات وحركة الناس والحياة في الخارج.

لابد أن أقول أيضا أن ما حدث معي البارحة ليلا في قرية مونفرماي الفرنسية  كان اغرب من الخيال، وكانت كوزيت تحاول وهي تعبر مسرعة لقضاء بعض الحاجات الصغيرة أن يكون خروجها في غفلة عن عيون فيكتور هيجو قبل ان تعود إلى شمعدانها ذي الضوء الخافت بخفة وحذر شديدين. أما أنا فلم أنس لذة طبق الدجاج المحلى بمرق أحمر وبطاطا وشربة رمضان بنكهة بعض التوابل المفضلة والسلطة الخضراء والفلفل الحار وكل ما أعده عمار في بيته على شرفي في تلك الزيارة الباريسية التي لا تنسى، كما أن أصابع وقطع الزلابية الدائرية التي قضى في طلبها الزاوي وقتا لابأس به خارج البيت كانت بسكرها الممتع كفيلة بترتيب نسبة السكريات في أجسامنا بعد ثمانية عشرة ساعة من الصوم هنا في باريس.

كان بيت عمار مرياش يقع في إحدى ضواحي قرية مونفرماي التي يقطنها مهاجرون برتغاليون وعرب وأفارقة وأتراك وصينيون فقراء دأبوا على كسر عصا الطاعة في وجه الشرطة الفرنسية دون أن يتمكن أي كان ومهما سولت له نفسه أن يتجرأ على ترك سيارته الباريسية بلوحة من نوع ال 75 اكثر من عشر دقائق حتى يتأكد من أن زجاج سيارته قد هشَّم وقضي الامر في لمح البصر .

لم أكن أتبين وجه الطريق الذي كانت تسلكه سيارة الرينو الصغيرة وقد استسلمت ليد الزاوي منقادة في طريق عودتنا الى الفندق الواقع بباب كليشي على غرار أبواب ومقاطعات كثيرة في هذه البلاد،ولكنك بالتأكيد ستقطعها بسهولة ويسر بواسطة عربات الميترو وبعض القطارات السريعة.

كان عمار لا يتوقف عن النظر إلينا بابتسامته الحانية ويدعونا الى مزيد من الطعام اللذيذ الذي كان ماهرا حقا في اعداده دون ان يحتاج الى شريكة حياة في بيته دون أن يخفي مرارة تلك العزلة التي آل إليها بعد حادثة طلاق أليمة في حياته وبدا ان منجم الاحزان والكابات التي نتشارك فيها عمار ومحمد وانا ليست الا بعضا من خرابنا الإنساني وثمنا لتلك الحرب الأهلية التي أخرجتنا عنوة الى مأساة لم نكن نتوقع فصولها أبدا.

فناجين القهوة كانت هي الاخرى طيبة في بيت عمار ، وكان وقع احتساء القهوة بعد الافطار قويا وذا سحر خاص ما يفتأ يبدل الأشياء في داخلنا بشكل سريع، كما لم يكن المزاج الشعري لدى عمار مرياش الا ليكون على تلك الحال وقد استمتعت حقا بتلك الصور والمواقع والزوايا التصويرية والمقاطع الشعرية ذات البعد الإنساني العميق في أشعاره، كما لم أخف إعجابي بترتيبات الفيلم الوثائقي وفنياته العالية وسحر تلك الصور وقوة إخراجه التي جعل منها الزاوي توليفة فنية وشعرية ظللنا نتبادل الرأي حولها بإعجاب ومحبة حتى ونحن نقف عند باب المقبرة .

محمد دحو ، فندق ميديان ، باريس ، المقاطعة 17

محمد دحو ، فندق ميديان ، باريس ، المقاطعة 17

اما تلك السحب البيضاء فلا تزال هي الآخري تمشي في كبد السماء نحو شرفتي كأنها ستدخل منها بعد قليل وكنت لا ازال انظر اليها بإعجاب قبل ان أغلق عيني لأعود الى سحر تلك الليلة البديعة بيننا نحن الثلاثة وكانت صوت الزاوي لا يزال يرن في أذني من هنا مر صاحب البؤساء فيكتور قبل ان يعثر على كوزيت بشمعدانها المضيئ.

محمد دحو : باريس 02 جويليةً 2016

        كلمات
مجلة الكترونية ثقافية فنية أدبية متنوعة ، تهتم بثقافة المهاجرين ، تصدر في باريس

Comments