الحضرة بحضور الكتّاب : فاطمة بن شعلال

  ف. بن شعلال   دراسات ومقالات   (5462) مرة  

وأخذ بعض الرجال يجلبون له لهبا من النار فيبلعها دون أن يصيبه أي أذى ثم يخرج من فمه حجرا يشبه الصلصال. بعدها راح يقوم بإشارات من غاب عنه وعيه ودخل عالما آخر لا نعرفه.

get_the_title

في اليوم الثاني من فعاليات ملتقى الجلفة عن راهن الأدب الجزائري في طبعته الثالثة و مباشرة بعد وجبة العشاء، ناداني صديقي الشاعر ناصر باكرية وأسرّ لي أني مدعوة ضمن بعض الأصدقاء لحضور ما يعرف ب”الحضرة” وذلك في مدينة مسعد التي ينحدر منها.
كان فضولي كبيرا لاكتشاف الأمر، فقبلت الدعوة فورا.
انطلقت بنا سيارات ثلاث:
كانت وجهتنا مدينة مسعد التي تبعد عن مدينة الجلفة ب70 كلم.
كان الطقس باردا جدا وماطرا ومضببا أيضا.
وصلنا إلى بيت رجل سمعت يقولون إنه “المقدم”. إنه مقدم الحضرة ، قلت في نفسي. ثم سمعت ينادون على رجل آخر : يا الطالب.
كان الأول يرتدي عباءة بيضاء والثاني عباءة سوداء ويلف رأسه بما أعتقد أنه عمامة وكان يبدو أقل سنا من الأول.
قال لنا ناصر باكرية إن ذلك “الطالب” يقصده الناس من كل فج عميق ومن مختلف شرائح المجتمع.
عند باب المنزل، استقبلنا “المقدم” ومن معه بحفاوة ودفء كبيرين ، ثم أشاروا علينا نحن النساء بأن ندخل إلى بيت مستقل عن البيت الذي تم فيه استقبال الرجال المرافقين لنا.
وجدنا زوجة المقدم وبنتيه بصدد وضع اللمسات الأخيرة على وجبة عشاء كانت رائحته فخمة مشهية، زقزقت لها عصافير بطني ، لاسيما أنني لم أتعش كما ينبغي في الإقامة، حيث قدموا لنا طاجين الزيتون الذي لا أحبه. قلت في نفسي : إن الله رحيم ، عوض عليّ طبق سباقيتي الذي قدموه لنا عند الغداء وكذا طاجين الزيتون ذلك بأكل شهي .
بمجرد ما جلسنا، قدمت لنا زوجة المقدم طبقا من “الرفيس” اللذيذ .
ثم جاءت وجلست معنا رفقة بنتيها ، نتجاذب أطراف الحديث. حدثتنا الابنة الكبرى وهي أستاذة في اللغة الانجليزية، عن مشاكل التعليم وعن تلامذة هذا الزمن، بينما راحت الصغرى عبير ، وهي طالبة في السنة الأولى جامعي، تعبر عن استيائها من توجيهها إلى دراسة الأدب العربي. قالت إنها كانت تتمنى دراسة الصحافة.
بدت صديقاتي الشاعرات وكأنهن يعرفن أهل البيت من ألف سنة، فكن يحدثنهن بطلاقة وبراحة وبغير تكلف ، بينما ظللت أنا متوجسة ملتزمة الصمت.
في الحقيقة كن لطيفات جدا ، فاطمأن قلبي إليهن وقد كنت في البداية مرتبكة ، لم يعجبني أمر فصلنا عن أصدقائنا الذكور.
طمأنني صاحب البيت قائلا إن الفصل في الأكل فقط وسوف تجمعنا الحضرة بعد قليل.
بعد حوالي نصف ساعة، قدموا لنا طبق الكسكسي بالمرق الأحمر واللحم الشهي، وتلاه طبق التمر باللبن اللذيذ.
غادرنا قاعة الأكل إلى قاعة “الحضرة” ووجدنا أصدقاءنا هناك.
وجدنا نارا موقدة، ورجالا يجلسون حينا وحينا يقفون ويضربون على الدفوف ويغنون أغاني فيها ذكر الله وكلمات أخرى لم أكن أتبينها جيدا.
وسط القاعة كان رجال آخرون يدورون أو يرقصون، وفي مرحلة متقدمة صاروا كأنهم يئنون ثم يصرخون، ومن حين لآخر ترى أحدهم يسقط أرضا فيجري نحوه رجال من الحضور يسعفونه.
إنها طريقة للتنفيس عن كل المكبوتات التي بداخل كل واحد منا، قلت وأنا أحاول أن أقنع نفسي، إلا أن الخوف كان قد تمكنّ منّي.
ظل الضرب على الدفوف متواصلا وكذا كل الطقوس المصاحبة له من دوران ورقص و صراخ ، وبين الفينة والأخرى، كان أحدهم يتولى أمر تسخين الدفوف على النار التي كانت موقدة عند زاوية في القاعة.
فجأة ، راح أحد الرجال الذين كانوا وسط القاعة يمارسون تلك الطقوس المدهشة بالنسبة لي، يترنح ويصرخ ويزأر كالأسد ، فسارع إليه رجال آخرون ألبسوه عباءة بيضاء ومددوه على الأرض.
استراح قليلا ثم وقف وسط ضاربي الدفوف الذين التفوا قياما حوله في حلقة، وأخذ بعض الرجال يجلبون له لهبا من النار فيبلعها دون أن يصيبه أي أذى ثم يخرج من فمه حجرا يشبه الصلصال. بعدها راح يقوم بإشارات من غاب عنه وعيه ودخل عالما آخر لا نعرفه.
في كل مرة يشير بيده إلى شخص ما ، يقوم أحد الرجال بإحضاره له، ويأتي الآخر طيعا منقادا مسالما. فمرة يفتح قميص هذا و يدخل يديه في صدره ويتمتم كأنه يشق قلبه و ينزع منه شيئا لا يعرفه سواه.
ومرة أخرى ، يأمر ذاك بالانبطاح على بطنه أرضا فيصعد فوق ظهره ويغني ويقفز. ومرة أيضا هو نفسه ينحني ويأمر من طلب بإحضاره بأن يصعد فوق ظهره.
تملكني الرعب إذ فكرت فجأة : ماذا لو أشار الرجل إليّ وطلب إحضاري وأجبرت على الانبطاح على بطني ليصعد فوق ظهري ، أنا الضعيفة البنية إضافة إلى ساقي المصاب ؟
ذعرت أكثر لما فكرت في الأمر الثاني المحتمل : يفتح قميصي ويدخل يديه في صدري ؟
قفزت من مكاني وطلبت من صديقي حميد إيزة أن يترك لي مقعده الذي لم يكن إلى حد ما في الواجهة، وهكذا اندسست بين عبد الله الهامل وبين علي مغازي هروبا من عينيْ ذلك الرجل الذي أصبح يشبه مخلوقات الكواكب الأخرى في غرابته.
الأمر الآخر الذي أرعبني هو كيف سيتمكن ناصر باكرية من سياقة سيارته وهو على ذلك الحال ؟
أجل، فصديقي ناصر أيضا رقص حتى تصبب عرقا ودخل حالة تشبه الذهول.
لقد تجاوب مع جو “الحضرة” بامتياز وبدا فرحا وخفيفا كجناح فراشة.
قررت في قرارة نفسي ألا أعود معه في سيارته اتقاء لأي حادث يمكن أن يحصل بسبب حالته تلك، لكنني في النهاية ركبت معه.
ولسوء حظه أو لحسنه، نادى عليه ذلك الرجل الآمر الناهي ، فتح قميصه ، أدخل يديه في صدره وخاطبه بصوت عال:
– رد بالك، أخطيك من هذي قهيوة، هذا تاي، هذي حبيبات حلوى.. أخطيك،، أخطيك .
رغم أنني لا أومن إطلاقا بالسحر والشعوذة، قلت في نفسي لحظتها : هل يمكن أن يكون صديقي ناصر “مسحورا” بسبب سحر يكون قد تناوله في قهوة أو شاي أو قطعة حلوى من يد امرأة ترغبه مثلا ؟
قبل نهاية “الحضرة” ، تقدم الرجل الذي كانوا ينادونه ب”الطالب” نحو صديقنا حميد إيزه وسلمه حجرا من ذلك الذي كان الرجل الغريب يلفظه من فمه وطلب منه أن يقسمه علينا نحن الضيوف.
لم أعد أذكر هل فعل حميد ذلك أم لا، لكنني متيقنة أنني لم أحصل على “نصيبي” من القسمة.
وقبل نهاية “الحضرة” كذلك، راح رجل يلف على جمع الحضور وبيده آنية بها بخور ورجل آخر قام برشنا بعطر كان قويا مستفزا.
قبل مغادرتنا ، قام الضاربون على الدفوف والراقصون والجمع كله تقريبا ، يتوسطهم الرجل الغريب، يرددون بصوت عال مقطعا يقولون فيه:
” ألغاو له .. ألغاو له
طيري لخضر لازم يحضر”
( بمعنى : نادوه ،، نادوه،، طائري الأخضر يجب أن يحضر).
ودعنا مضيفينا شاكرين وانطلقنا عائدين إلى مكان إقامتنا. كانت دهشتي كبيرة لما لاحظت أن ناصر باكرية عاد إلى وعيه بسرعة وكان يسوق سيارته جيدا ، بل راح أيضا يقرأ علينا شعرا ملحونا من تأليفه وخلق جوا مرحا لطيفا.

        ف. بن شعلال
فاطمه بن شعلال، شاعرة جزائرية، مواليد 1968، خريجة معهد الاعلام وكلية الحقوق.صحفية بالاذاعة الجزائرية

Comments